وهم إستدامة الغاز الطبيعي

إن الغاز الطبيعي متواجد "بشكل طبيعي" في أعماق قشرة الكرة الأرضية. وتساعد كلمة "طبيعي" على إنتشاره بصفته مصدراً محبذاً للطاقة. كذلك يُنتج الغاز الطبيعي كمية أقل من الغازات الدفيئة حين إحتراقه مقارنة بالنفط والفحم، مما يساعد على إنتشار إستعماله خاصة مع إنحفاض كلفة إستخراجه. وقد أعطى هذا المصدر في السنوات القليلة الماضية الإنطباع بأنه يمكن التحوّل من الفحم والنفط إليه بشكل سلس، لاسيما مع إرتفاع أسعار النفط. وقد وضع خبراء النفط والسياسيون آمالاً كبيرة بخصوص مستقبل الغاز الطبيعي بصفته بديلاً عن النفط. ولكن العلماء والمختصون في مجال البيئة يشككون في صحة تلك الآمال بسبب الأخطار البيئية الناتجة عن الوسائل الجديدة في إستخراج الغاز الطبيعي.

تزدهر اليوم صناعة الغاز الطبيعي وتعرض وقوداً أقل تكلفة من النفط. وقد بدأت الدول الغنية بهذا المورد مثل كندا والولايات المتحدة ببناء خطوط نقل للغاز وموانئ للغاز الطبيعي المسال لتسهيل عملية تصديره. وقد اتخذت الولايات المتحدة عدة أجراءات لتشجيع إستخراج الغاز الطبيعي مثل إعفاء شركات الغاز من تطبيق قانون المياه النظيفة. وقد وافق الكونغرس على هذا الإعفاء في عام 1990 من أجل إيجاد حلول قصيرة الأجل لمشكلة البطالة وتقليل استيراد النفط من الخارج. 

إن الفكرة بأن الغاز الطبيعي سيستبدل النفط تَضعَف حين مناقشة أمور تتضمن تأثيره على البيئة ووفره وسعره. وبينما يتفق المختصون في البيئة على أن نسبة الغازات المسببة للإحتباس الحراري الناتجة عن الغاز الطبيعي أقل من تلك الناتجة عن مقارنة الوقود الأحفوري، فإنهم يتخوفون من المخاطر البيئية والصحية لعملية إستخراجه المعروفة بعملية التصديع الهيدروليكي. إن عملية التصديع تشمل الحَفر على عمق 2500م في باطن الأرض للوصول إلى طبقة الصخر الزيتي حيث يتم استخراج الغاز الطبيعي، المعروف أيضا باسم الغاز الصخري. إن التكنولوجيات المتوفرة اليوم تسمح بالحفر الأفقي خلال طبقة الصخر الزيتي مما يسهل عملية الإستخراج، ثم تضخ كمية كبيرة من المياه المخلوطة بمواد كيميائية في خطوط الأنابيب المحفورة بإستخدام الضغط العالي لتكسير طبقة الصخر الزيتي وتكوين تشققات صغيرة فيها يتسرب من خلالها الغاز الطبيعي بعد سحب الماء والمواد الكيميائية الى سطح الأرض.

إن الغاز الصخري هو مزيج من الهيدروكربونات، وغالبيته من الميثان. وهذا يجعله وقوداً أحفورياً ومصدراً غير متجدد للطاقة. وقد ساهمت التقنيات الحديثة في تسهيل عملية إستخراج الغاز التي غالباً ما تكون أرخص من عملية إستخراج النفط. وتحتاج عملية التصديع الهيدروليكي إلى كمية هائلة من المياه (4 - 30 مليون لتر لكل بئر)، مع إمكانية تصديع كل بئر ثمانية عشر مرة. وتُستخدم مواد كيميائية خطرة مثل الرصاص واليورانيوم والزئبق لتسهيل عملية التصديع، وتُخلط مع أحماض الهيدروكلوريك والفورمالديهايد. ويُترك ما نسبته 35٪ من سوائل التصديع تحت الأرض أو تتسرب هذه السوائل إلى المياه الجوفية. ويتم تجميع بقية السوائل الملوثة المستخرجة في حفر مفتوحة فوق سطح الأرض، ويستحيل تنقية تلك السوائل بسبب المواد الكيميائية المعقدة التي تتكون نتيجة التفاعلات الكيميائية التي تجري تحت الأرض. بالإضافة إلى ذلك، تُسرّب آبار التصديع كميات كبيرة من غاز الميثان الذي يعتبر من الغازات الدفيئة الخطيرة. كما تُنتِج عملية التصديع مواداً كيميائية أخرى مثل الكيروسين والبنزين والمركبات العضوية الإصطناعية. 

إن للتصديع الهيدروليكي آثار بيئية وصحية في غاية الخطورة، ويمكن أن تكلف هذه الآثار أكثر بكثير مما يتم توفيره من إستبدال الغاز بمشتقات النفط أو الفحم. إن فِلْم  Gasland الوثائقي يُظهر العواقب الصحية والقانونية الخطيرة المرتبطة بالتصديع الهيدروليكي. وتتضح آثار التصديع بوضوح على السكان الذين يعيشون على مقربة من مواقعه حيث ظهرت عدة أعراض صحية مثل نزيف الأنف وتهيّج الجلد. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مخاوف جديّة تتعلق بتلوث مياه الشرب بالغازات والمواد الكيميائية الناتجة عن التصديع وبقابليتها للإشتعال أو الإنفجار في الآبار الجوفية. كذلك فإن التشققات في الأرض الناتجة عن عملية التصديع تتسبب بزلازل صغيرة في مواقع إستخراج الغاز.

 ويؤثر التصديع على البنية الإقتصادية والإجتماعية للمجتمعات المحلية. فمثلاً انخفضت قيمة المنازل والأراضي حول مواقع التصديع في الولايات المتحدة ​​بشكل كبير، خاصة بعد تلوث المياه الجوفية هناك. وعادة يختار معظم سكان تلك المجتمعات هجر منازلهم بسبب المخاطر الصحية المرتبطة بالتصديع، ويدخلون في معارك قانونية طويلة الأمد مع شركات النفط والغاز المسؤولة عن عمليات التصديع. ولذلك فقد بدأت بعض الولايات بإعادة النظر في إتفاقيات التصديع وتحديد مسافات أكثر أمانا بين مواقع التصديع وموارد المياه، وأيضاً مطالبة شركات النفط والغاز بالكشف عن أنواع  المواد الكيميائية التي تستخدمها في سوائل التصديع.

إن سعر الغاز الطبيعي اليوم أرخص بكثير من سعر النفط، ولكن الأسعار تتذبذب حسب الطلب والوفر. فقد إزداد الطلب على الغاز الطبيعي في اليابان بعد زلزال فوكوشيما ليقفز سعره من 7 إلى 16 دولار أمريكي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بالنظام المتري. ويباع الغاز الطبيعي في المملكة المتحدة بسعر7 دولارات لكل مليون وحدة، بينما لا يتجاوز سعر الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة 4 دولارات لكل مليون وحدة. إن فروقات الأسعار لأي سلعة يحددها العرض والطلب، وكلما ازداد الطلب على الغاز فإن سعره سيزداد، وبذلك سيفقد الغاز الطبيعي ميزته في السعر. 

إن الجدل بخصوص سلامة التصديع في تزايد مستمر، خاصة مع كشف المختصين بمجالات البيئة لمخاطره البيئية والصحية المتعددة. إن الإعتماد على الموارد غير المتجددة لتلبية مطالب الطاقة العالمية ليس بالفكرة الجيدة إذ أن منافعها الإقتصادية غير مجدية خاصة حين الأخذ بالإعتبار تأثيراتها السلبية على الصحة والبيئة. وهذا ينطبق بالتأكيد على الغاز الطبيعي المستخرج من خلال التصديع. 

نورهان الكردي
أيار 2014

  

يرحب مركز دراسات البيئة المبنية بملاحظاتكم عن مقالات مستدام، مع حفظ المركز حقه بنشر أو تعديل الملاحظات لضمان الوضوح والموضوعية والإختصار. يرجى إرسال تعليقاتكم إلى moustadam@csbe.org