المباني الخضراء بمفهومها الشامل

 

يشير مصطلح "المباني الخضراء" إلى المباني التي تتبنى إستراتيجية تصميم وبناء تهدف إلى التقليل من أثر المباني على البيئة، إذ يمكن تقليل إنبعاثات الكربون بسهولة من خلال الإختيار المناسب لمواد البناء وتطبيق التكنولوجيات الخضراء. ومن الممكن اليوم تطوير مباني خالية تماماً من إنبعاثات الكربون تستهلك مستويات منخفضة للغاية من الطاقة.

هناك مجموعة واسعة على المستوى العالمي من المبادئ التوجيهية والشهادات "الخضراء" المتعلقة بالمباني ومواد البناء. وأكثر الشهادات إنتشاراً بما يخص المباني هي "ليد" (الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة) (1). إن ليد هي مبادرة من المجلس الأمريكي للمباني الخضراء (2) الذي يصادق على المباني الخضراء وفقاً لنظام نقاط، فكلما تبنّى المبنى حلولاً خضراء، كلما إكتسب نقاطاً. كذلك تنتشر في العالم أنظمة أخرى لشهادات المباني الخضراء (3). وهناك أيضاً شهادات خضراء لمواد البناء (4).

وقد تطوّرتصميم المباني اليوم من مبدأ الحد من أثرها على البيئة إلى مساهمة البناء في إحياء البيئة الطبيعية المحلية. ومن هنا ظهر مفهوم "التصميم المتجدد" (5)، تحديداً في أمريكا الشمالية. وعلى سبيل المثال، يوفر مركز "تحدي البناء الحي" (6)   مجموعة من الأمثلة والخبرات في التصميم المتجدد التي تدمج إحتياجات المجتمع مع النظم الطبيعية البيئية. ويعتمد هنا المعمارون والمصممون نهجاً لتصميم المبنى بصفته جزء من النظام الطبيعي بأكمله ويحاولون إستعادة النظم الفرعية الطبيعية مثل الجداول والنباتات القائمة وربطها بنظم المبنى ونشاطاته. وحينما يتم إستخدام أنظمة للطاقة المتجددة أو يتم إنتاج فائض من الغذاء يتحول المبنى إلى مصدر دخل من خلال بيع الطاقة أو المياه أو الأغذية الفائضة عن إحتياجات مستخدميه. وهكذا يتحول المبنى من مصدر إستنفاذ للموارد الطبيعية الى منتج لها ومساهم إيجابي للبيئة الطبيعية. ولا يزال منهج التصميم المتجدد في مراحله المبكرة، ويعمل المجلس الأمريكي للمباني الخضراء على رفع معايير شهادة الليد للتصميم المتجدد، ولكن تبقى الأمثلة المبنية التي تطبّق هذا النهج الناشئ قليلة جداً.

لا تزال معايير التصميم للأبنية ونظم شهادات المباني الخضراء تركّز على خفض إنبعاثات الكربون من المباني وتربط الإستدامة في المباني بالحد من تلك الإنبعاثات. ويظهر قصور هذا التركيز على خفض إنبعاثات الكربون في تحليل للمباني وفقاً لمبدأ الإستدامة المبني على ثلاثة محاور هي البيئة والإقتصاد والمجتمع.

البيئة: تساهم المباني وفقاً للمجلس الأمريكي للمباني الخضراء بحوالي 38٪ (20٪ للمباني السكنية و18٪ للمباني التجارية) من إنبعاثات الكربون. وبالإضافة الى ذلك، يستهلك تشغيل المباني حوالي 50٪ من إستهلاك الموارد الطبيعية، وتسهم مراحل بناء المباني المختلفة بنسبة 25٪ من مخلّفات مكبات النفايات.

يتم إستخراج مواد البناء من البيئة على نطاق واسع، وفي بعض الحالات دون أي تقييم للأثر البيئي لهذا الإستخراج. وفي الأردن مثلاً، تُبنى المباني إجمالاً بإستخدام نموذج بناء واحد يتضمن الإسمنت وحديد التسليح المكسو بالحجرالطبيعي. ويتم حالياً إستخراج الحجر من المحاجر دون أي تقييم للأثر البيئي لهذا الإستخراج. وبالأضافة إلى ذلك، يساهم إنتاج الأسمنت بـ 5٪ من إنبعاثات الكربون، كذلك يتطلب تصنيع حديد الصلب المستخدم في البناء الكثير من الطاقة.

إن برامج الشهادات الخضراء تغطي الأثر البيئي للمباني المرتبط بالتصميم والبناء والتشغيل، وقد أدى ذلك إلى تحولات كبيرة في أساليب البناء. ومع ذلك، ينبغي أن لا ننسى أن تأثير المباني على البيئة أوسع من ذلك وأنها تستهلك الكثير من الموارد.

الإقتصاد: إن تطوّرمواد البناء مثل الإسمنت والحديد ساهم في تخفيض تكاليف البناء وسمح ببناء مبانٍ أكبر حجماً بتكاليف أقل. وقد وفّر ذلك ملكية المنازل لشرائح واسعة من الناس بأسعار معقولة. لكن إزدياد الإعتماد على الوقود الأحفوري في تصنيع مواد البناء وفي نقلها قد ساهم في رفع أسعار ملكية المنازل بسبب الإزدياد المضرد في أسعار الوقود.

إن المباني التي تسعى إلى تطبيق معايير الشهادات الخضراء هي أكثر تكلفة من غيرها في الوقت الحالي بسبب إستعمال تكنولوجيات جديدة وحصرية. وتتراوح الزيادة في كلفة تصميم مبنى أخضر وفي كلفة بناءه عن كلفة بناء وتصميم بناء تقليدي بين 10 إلى 25٪، ولكن في المقابل تنخفض تكاليف تشغيل المباني الخضراء على المدى الطويل الأمد نسبة إلى الأبنية التقليدية.

تشجع بعض الحكومات أصحاب المباني على تطبيق حلول خضراء من خلال برامج دعم أو خصومات ضريبية. وبالرغم من ذلك، لا تزال الحلول الخضراء أكثر تكلفة من غيرها. ولكن هذه المباني بدأت تصبح مصدراً للدخل مع تطوّر التكنولوجيات الخضراء، كما هو الحال مثلاً في تركيب الألواح الشمسية على البناء لتوليد الكهرباء وبيع الفائض منها عن إحتياجات المبنى.

المجتمع: المباني هي جزء من المجتمع، وقد احترمت المباني التراثية البنية الإجتماعية والثقافة المحلية لمجتمعاتها أكثر من المباني الحديثة. ولا يقتصر ذلك على إستخدام المباني التراثية للتقنيات التقليدية للبناء وللمواد المحلية، ولكن يمتد ليشمل إحترام المبنى لخصائص المكان. ويجب على المباني أن تساهم في تعزيزالعلاقات الصحية بين الجيران وبين أفراد المجتمع بشكل عام. و لكن لا يتم حتى الآن التطرّق للأثر الإجتماعي للمباني بصفته مبدأ أساسي للأستدامة.

إن للتكنولوجيات الخضراء المتطورة دور كبير في تقليل الأثر البيئي للمباني، ولكن الأبعاد الاقتصادية والإجتماعية للمباني لم تحصل بعد على الإهتمام الذي تستحقه. إن المباني المستدامة هي تلك التي تعالج هذه الجوانب الثلاثة مجتمعة. ولدينا اليوم التقنيات المناسبة لضمان أعلى معايير الكفاءة البيئية في المبنى، ولكننا بحاجة إلى تطويرالمبنى أكثر من ذلك ليلبّي إحتياجات مستخدميه الإجتماعية والإقتصادية.

 

نورهان الكردي
16 حزيران 2013

 

يرحب مركز دراسات البيئة المبنية بملاحظاتكم عن مقالات مستدام، مع حفظ المركز حقه بنشر أو تعديل الملاحظات لضمان الوضوح والموضوعية والإختصار. يرجى إرسال تعليقاتكم إلى moustadam@csbe.org.

 

LEED (Leadership in Energy and Environmental Design)-1

USGBC (United States Green Building Council)-2

3-  تتضمن هذه الأنظمة:

ASHRAE, Energy Star, Built Green, Passive House, Net Zero, و the Living Building Challenge

4- تشمل هذه الشهادات:

Life Cycle Assessment (LCA) و Cradle to Cradle

Regenerative design- 5

The Living Building Challenge -6

 

أعلى