مراجعة مفهوم الحضرية



حقول خصباء تزهوا باللون الأخضر لتتحول فيما بعد إلى اللون الذهبي، ومساحات واسعة من التربة الحمراء تتشابك مع أكوام من الحبوب المحصودة. هكذا أتذكر مدخل مدينة إربد في شمال الأردن. كان الطريق من عمّان إلى إربد مليئاً بالمناطق الخضراء والمناظر الطبيعية الجميلة، لكنه اليوم أقل إخضراراً وأكثر إكتظاظاً بالمباني والطرق السريعة التي التهمت حتى الجبال. مع ذلك لا تزال الطبيعة تحافظ على نفسها إلى حد ما في أنحاء الأردن المختلفة كما في الجبال الخضراء في الشمال أو الصحراء الوردية اللون في الجنوب أو الأخاديد الصغيرة التي تشق طريقها في وادي الأردن أو وادي الموجب. ولكن المناطق الخضراء تستمر بالإنكماش في الأردن حيث تبلغ مساحة المناطق الحرجية حالياً 1.1٪ فقط من المساحة الكلية للبلاد. وقد ساهم تغيّر المناخ وانخفاض مستويات مياه الأمطار إلى فقدان العديد من المناطق الخضراء، جنباً إلى جنب مع الزحف العمراني وعدم وجود أي سياسات فعالة لحماية ما لدينا من مناطق خضراء.

لقد تم تطوير مخططات حضرية لكل من عمّان والعقبة قبل بضع سنوات تطرقت لحاجات التطوير الملحة وطرحت حلولاً إيجابيه لمشاكل تعاني منها المدينتين، لكنني لست متأكدة من وجود إستراتيجيات لتحقيق الإستدامة ضمن هذه المخططات. وهنا يمكننا أن نسأل فيما إذا كانت مدن الأردن مستدامة؟ أو دعونا نبدأ بالسؤال الأهم، ما هي المدينة المستدامة؟

إرتكز تخطيط المدن في عقد الثمانينات من القرن الماضي على تطوير مشاريع ضخمة للبنية التحتية تضمنت الطرق السريعة والبنايات الشاهقة. وكان السكان في غالبية بلدان العالم - ولا يزالوا - ينجذبون إلى المدن الكبيرة. وقد ترتب عن ذلك هجرة عدد كبير من سكان الريف من القرى للهروب من الصعوبات الإقتصادية العديدة التي تصاحب الحياة فيها، وانتقل عدد كبير منهم إلى المدن الكبيرة باحثين عن فرص عمل بعيداً عن الحقول. ونتج عن زيادة التحضر هذه فقدان الصلة مع الطبيعة نفسها. ولكن المخططين اليوم بدأوا يدركون أهمية إعادة إحياء الإتصال مع الطبيعة، وتم تطوير إتجاه حضري مهم لتكوين "المدن المستدامة" حتى باتت العديد من المدن تتنافس فيما بينها في مجال الإستدامة.

لقد ساهمت المدن الأكثر إستدامة وأكثر أخضراراً في تحسين مستويات الصحة ونوعية الحياة لسكانها. وأصبحت الإستدامة من الحلول الفعالة من أجل الحد من الإرتفاع المستمر لتكاليف الطاقة وحتى في القضاء على الأمراض، وكذلك في الحد من الزيادات المطردة في ساعات التنقل والإزدحام المروري ومعدلات الجريمة والفقر، هذا بالإضافة إلى الحفاظ على المناطق الطبيعية. وقد بيّن تطبيق مباديء الإستدامة في المدن على أنها أقل كلفة من غيرها من الحلول لتحديات الحياة في المدن وعلى أنه يمكنه تقليل تكاليف الحياة لسكان تلك المدن.

ولذلك تضع بعض المدن اليوم أهدافاً وأستراتيجيات محددة لتصبح أكثر استدامة ولتحد من انبعاثات الكربون. وقد أدى تطبيق هذه الإستراتيجيات إلى تغيير شكل المدن الحديثة. لذلك نرى في بعض المدن إزالة لعدد من الطرق السريعة وأماكن وقوف السيارات وأيضاً تشجيعاً لإستخدام الدراجات الهوائية بدلاً من السيارات من خلال تخصيص ممرات خاصة للدراجات في المدينة. ومن الإستراتيجيات الأخرى التي طُوّرت لتحقيق الأستدامة إعطاء حوافز لأصحاب المباني الموفرة للطاقة ولساكنيها والتي قد تُنتج الطاقة المتجددة أو تستعمل أجهزة موفرة للطاقة. وتنتشر في مثل هذه المدن صناديق إعادة التدوير في جميع المباني وفي كافة أرجاء المدينة، ويتم تخصيص مساحات في المناطق العامة للحدائق التي يمكن لسكان الأحياء أن يزرعوا فيها الخضراوات والأعشاب لإستعمالهم الشخصي.

وقد حددت الدراسات بعض المؤشرات لتقييم المدينة المستدامة منها ما يركز على قضايا الطاقة والمياه والنفايات وإنبعاثات الكربون، وغيرها يركّز على إستخدامات الأراضي، وأخرى تخصّ المباني والنقل ونوعية الهواء والإدارة البيئية.

لنعود إلى الوضع في عمّان والأردن. إن إنبعاثات الكربون في عمّان كانت في 2008 تساوي 3.25 tCO2e (طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون) لكل من سكانها. إن تلك الكمية منخفضة بعض الشيء بالمقارنة مع مدن اخرى في مختلف أنحاء العالم. فعلى سبيل المثال، تشير دراسة أجريت مؤخراً عن المدن الخضراء التي تُطبِق خطط للإستدامة إلى أن المدن الخضراء في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا تُنتج 14.5 tCO2e لكل من سكانها، والمدن الخضراء في أوروبا تُنتج ما معدله 5.2 tCO2e لكل من سكانها، والمدن الخضراء الآسيوية تُنتج ما معدله 4.6 tCO2e لكل من سكانها، وهي الاقرب ​​لمعدّل الإنبعاثات في المدن الأردنية مجتمعة في 2002 التي بلغت  4.04 tCO2e لكل من سكانها. إن الأردن يواجه تحديات كثيرة تتعلق بالطاقة والمياه، ومع ذلك ينتج الأردن إنبعاثات منخفضة نسبياً للكربون وفقاً للمعايير الدولية، ويمكن تخفيض تلك الأنبعاثات أكثر من ذلك وبسهولة من خلال تدابير معينة وسياسات محددة.

إن هناك حاجة ملحة إلى إستراتيجيات وطنية للإستدامة في الأردن، وينبغي أن تُنفّذ هذه الإستراتيجيات من ’الأسفل إلى الأعلى‘ جنباً إلى جنب مع إستراتيجيات تُنفذ من ’الأعلى إلى الأسفل‘. ويجب تمكين السلطات المحلية لتصبح جزءاً من عملية تطيبق أهداف الإستراتيجيات الوطنية. وربما حان الوقت لكي يقوم رؤساء البلديات وموظفوها بوضع خطط بيئية لمدنهم. وبالرغم من أن وزارة البيئة كانت قد حُجِمّت مؤخراً من خلال دمجها مع وزارة السياحة إلا أنه يمكن للجمعيات المحلية بإتباعها نهج ’أسفل إلى أعلى‘ أن تؤدي دوراً مهماً في تطوير السياسات البيئية وفي رصد نتائجها.

يجب الآن، وأكثر من أي وقت مضى وبسبب ما يواجهه الأردن من ظروف صعبة فيما يتعلق بالطاقة والمياه، مراجعة السياسات البيئية الحالية بطريقة شفافة تسمح بتمكين السلطات والمجتمعات المحلية بتطوير أفكار مبتكرة للتعامل مع التحديات البيئية قبل فوات الأوان.

 

نورهان الكردي
22 كانون الثاني 2013

يرحب مركز دراسات البيئة المبنية بملاحظاتكم عن مقالات مستدام، مع حفظ المركز حقه بنشر أو تعديل الملاحظات لضمان الوضوح والموضوعية والإختصار. يرجى إرسال تعليقاتكم إلى moustadam@csbe.org.

 

أعلى