ما هي أسواق الكربون؟



وضعت الأمم المتحدة بعد مؤتمر كيوتو الذي عقد في عام 1992 خطوات بشأن الحد من تغيّرات المناخ، وذلك من خلال معاهدة دولية تُفَصّل إلتزامات الدول الصناعية للحد من إنبعاثات الغازات الدفيئة. وأنشأت الأمم المتحدة وفقاً لذلك ما يسمى بآلية التنمية النظيفة (CDM) لتكون سلطة تنظيمية لمقايضة إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادلها من الغازات الدفيئة (Co2e) في سوق منظّم في البلدان الصناعية التي وقّعت على بروتوكول كيوتو. والهدف الرئيسي من التجارة بهذه الإنبعاثات هو خفض إنبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للإحتباس الحراري وتشجيع الإستثمار في التكنولوجيات المستدامة. ومع أنه يُفترض أن تتم عملية تسعير التداول من خلال نظام مدروس بعناية، إلا أن التنبؤ بالأسعار لا يزال صعباً ولا تزال آليات تحديدها تفتقر إلى الوضوح.

إن أسواق الكربون هي المجال الذي يتم من خلاله مقايضة إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادلها من الغازات الدفيئة. ويمكن لبلد أو منطقة أو مدينة تنظيم التلوث الناجم عن إنبعاثات الغازات المسببة للإحتباس الحراري من خلال إنشاء سوق مالي لمقايضة الكربون يعمل على أساس ما يعرف بـ cap-and-trade أو "وضع حد أقصى للإنبعاثات –  والمتاجرة بها". ووفقا لذلك، تُحدّد الجهات الرسمية المعنية الحد الأقصى المسموح به من إنبعاثات الكربون أو مكافئها الناتجة عن النشاطات الصناعية. ويمكن للمنشآت الصناعية التي تنتج كمية أقل من هذا الحد المسموح به من الإنبعاثات أن تبيع الفرق من خلال ما يسمى بإئتمانات الإنبعاثات الكربونية (يعادل كل إئتمان طناً من الكربون أو مكافئه من الغازات الدفيئة)، بينما على المنشآت التي تنتج أكثر من هذا السقف المسموح به أن تشتري إئتمانات الإنبعاثات الكربونية من أسواق الكربون حتى يُسمح لها بإنتاج الكميات الزائدة من الإنبعاثات. وهذا يعني أنه يمكن للمنشآت التي تنتج إنبعاثات كربون أقل من الحد المسموح به أن تكسب المال، بينما تضطر تلك التي تنتج أكثر من الحد المسموح به أن تدفع المال. وقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تطبيق هذا النظام منذ عام 1980 من الحد من كميات الغازات الدفيئة الناتجة عن النشاطات الصناعية المسببة للأمطار الحمضية.

وكذلك يمكن الحد من إنبعاثات الكربون من خلال فرض ضريبة عليها. وهذه الضريبة هي تقدير لتكلفة التلوث، ويتم عادة إستخدام المبالغ التي يتم تحصيلها من خلال هذه الضريبة لتمويل وتطبيق مشاريع مرتبطة بالتكنولوجيا المستدامة لتعزيز التنمية الإقتصادية المستدامة. وتعتبر هذه الضريبة أداة سهلة لتسعير التلوث بالمقارنة مع الـ  cap-and-trade. ولكن يمكن أن تكون لها عواقب إقتصادية سلبية إذا تم تحصيل الضرائب ولكن لم تُتخذ أي إجراءات للحد من إنبعاثات الكربون ولم يتم إستثمار محصلات الضريبة في التكنولوجيات المستدامة. وقد نفذت السويد نظام ضريبة على إنبعاثات الكربون منذ عام 1990، وتمكنت من خلال ذلك أن تخفض إنبعاثات الغازات المسببة للإحتباس الحراري بنسبة 17٪. إن معدل هذه الضريبة في السويد اليوم هو حوالي 150 دولار / طن من الكربون أو مكافئه من الغازات الدفيئة. وقد تم إستثمار الضرائب التي يتم تحصيلها بشكل ناجح وذلك من خلال تمويل التكنولوجيات المستدامة ومن خلال التخلّص من إستعمال الوقود الأحفوري لأغراض التدفئة.

وعودة إلى الـ cap-and-trade، يمكن للمنشآت التي تنتج انبعاثات كربون محدودة أن تبيع الإنبعاثات التي توفرها على شكل إئتمانات إنبعاثات كربونية. ولذلك يمكن للبلدان ذات الدخل المنخفض أن تنفذ مشاريع التكنولوجيات المستدامة مثل مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع إنتاج الطاقة الحيوية وأن تبيع قيمة الإنبعاثات التي توفرها في السوق العالمية. وتُصْدِر آلية التنمية النظيفة (CDM) التابعة للأمم المتحدة شهادات إئتمان لخفض الانبعاثات (CER)، وتعطي كل مشروع يوفر إئتمانات رقماً تسلسلياً يتيح لتلك المشاريع بيع إئتماناتها في أسواق الكربون المنظمة. ويسمح ذلك لآلية التنمية النظيفة (CDM) بأن تموّل مشاريع إنتاج الطاقة النظيفة أو إعادة تدوير النفايات الصلبة أو تطوير البنية التحتية في البلدان ذات الدخل المنخفض. ومن الأمثلة على ذلك مكب الغباوي في الأردن، إذ حصلت أمانة عمان الكبرى على قرض من البنك الدولي لبناء مكب للنفايات الصلبة يسمح بإلتقاط غاز الميثان الناتج عنه وإستعماله لتوليد الكهرباء. ويتم بذلك توفير إنبعاثات تصل إلى أكثر من 200,000 طن من الكربون أو مكافئه من الغازات الدفيئة سنوياً يمكن بيعها بصفتها إئتمانات إنبعاثات كربونية في أسواق الكربون العالمية. ويقوم صندوق الكربون في البنك الدولي بشراء هذه الإئتمانات وبيعها في السوق الأوروبية من خلال آلية التنمية النظيفة (CDM) وبالتالي توفير دخل لأمانة عمان.

ويمكن أيضاً تداول إئتمانات الإنبعاثات الكربونية التي تَصْدُر خارج إطار الأمم المتحدة في الأسواق الإختيارية. فعلى سبيل المثال، يمكن لشركات الطيران شراء إئتمانات الإنبعاثات الكربونية من السوق الإختياري للتعويض عن انبعاثات الكربون الناتجة عن طائراتها. وبذلك يمكن لشركات الطيران أن تحسّن سمعتها بصفتها شركات واعية بيئياً تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية.

وقد انتشرت أسواق الكربون المنظمة والإختيارية في أوروبا والولايات المتحدة وكندا. وفي عام 2011 وصلت عمليات التداول في أسواق الكربون الى 10.3 مليار طن من الكربون أو مكافئه من الغازات الدفيئة بقيمة تداول تبلغ 176 مليار دولار. من المتوقع دخول بلدان جديدة في أسواق الكربون في السنوات المقبلة مما سيشجع على نموها بالرغم من أن النمو العالمي لتجارة الكربون كان متواضعاً خلال السنوات القليلة الماضية. ومع أن فترة إتفاقية كيوتو أنتهت في عام 2012، إلا أن أسواق الكربون القائمة قد أثبتت نجاحها، لا سيما في أوروبا. وقد تم فتح المجال لبلدان أخرى للإنضمام إلى الأسواق القائمة أو تشجيع إنشاء أسواق خاصة بها، ولكن لا تزال هناك حاجة لتنظيم أسواق الكربون حتى تصبح أكثر فاعلية. وهناك جدل واسع بخصوص الدورالمستقبلي للأمم المتحدة في تصميم أسواق الكربون وإدارتها، لا سيما وأنها لم تتمكن من التعامل مع المسائل المتعلقة بالتنظيمات والتسعير بفعالية.

إن سعر إئتمان الكربون اليوم يتراوح ما بين 20 و 35 دولار / طن من الكربون أو مكافئه من الغازات الدفيئة، ومن المتوقع أن ترتفع الإسعار إلى 65 دولار بحلول عام 2050. وبالرغم أن هذه الأسعار لا تزال متواضعة بالمقارنة مع معدل ضريبة الكربون في السويد مثلاً، إلا أنه من المتوقع أن تنمو الأسواق القائمة وأن يزيد العرض والطلب على إئتمانات الكربون مما سيؤدي إلى إرتفاع كبير في الإسعار، وبالتالي إلى زيادة في التمويل المتاح للإستثمار في التكنولوجيات المستدامة.

يشير للعلماء إلى إن الكميات المتزايدة من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي المسببة للإحتباس الحراري هي السبب المباشر لتغير المناخ والكوارث البيئية التي ترافقه. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال البعض يجادل بأن محاولات التصدي لزيادة إنبعاثات غازات الإحتباس الحراري ليست ذات أولوية وليست مشكلة بيئية أساسية مقارنة بالتحديات الناجمة مثلاً عن إستنزاف الموارد الطبيعية مثل المياه العذبة. ولذلك قد يعطي تطوير أسواق الكربون المجتمعات في جميع أنحاء العالم حافزاً مالياً للإنخراط بفعالية في المساعي للحد من إنبعاثات الغازات الدفيئة وإعطائها ما تستحقه من إهتمام.

 

نورهان الكردي
28 آذار 2013

 

يرحب مركز دراسات البيئة المبنية بملاحظاتكم عن مقالات مستدام، مع حفظ المركز حقه بنشر أو تعديل الملاحظات لضمان الوضوح والموضوعية والإختصار. يرجى إرسال تعليقاتكم إلى moustadam@csbe.org.

 

أعلى