من يملك الغيوم؟

 

هناك نقاش قانوني يدور حالياً بخصوص من يملك الغيوم وخاصة تلك التي يتم إستمطارها من أجل تعديل المناخ. إن عملية إستمطار الغيوم تتلخص بحرق يوديد الفضة ونثره في الغيمة من خلال مولدات خاصة توضع في طائرة جوية أو مدفع أرضي لحث الغيوم على إستنزال المطر أو الثلج. وهذه التجارب ومثيلاتها التي تنتمي إلى تخصص الهندسة المناخية قد تطورت إلى حد كبير على مدى القرن الماضي.

تغطي المياه 97٪ من سطح الأرض، ولكن 3٪ من هذه المياه فقط صالحة للشرب. ويوجد في العالم اليوم حوالي 1.1 مليار شخص محرومون من المياه النظيفة. وهناك نظريتان لتفسير سبب حرمان الكثيرين من هذا المورد الثمين، أحدهما يتعلق بالسياسات المحلية والعالمية، والآخر بالتطورات التكنولوجية.

بدأت المياه تأخذ مكانة السلعة التجارية في عقد الثمانينات حين بدأت العديد من الحكومات بخصخصة خدمات المياه. وقد إرتفعت نتيجة لذلك أسعار المياه وأصبحت في بعض الأحيان بعيدة عن متناول ذوي الدخول المنخفضة. وقد أدت سيطرة الشركات الخاصة على خدمات توفير المياه إلى ظهور مشاكل مجتمعية عديدة إذ أن تلك الشركات تسعى إلى الربح بينما لا تقوم الحكومات في كثير من الأحيان بوضع القوانين التي تحمي المستهلكين من الإستغلال. ومن المستغرب أن الأمم المتحدة لم تشمل المياه ضمن الأهداف الإنمائية للألفية التي أنشأتها عام 2000. وبالرغم من ذلك، فقد بذلت منظمة الصحة العالمية جهوداً كبيرة على مدى السنوات العشرين الماضية لتمكين نحو ملياريْ شخص من الحصول على مصادر مياه نظيفة. وقد اعترفت الأمم المتحدة أخيراً في عام 2010 بحق الإنسان في الحصول على المياه وعلى خدمات الصرف الصحي في القرار 64/292. إن توفير المياه النظيفة بأسعار معقولة هو حاجة إنسانية أساسية، وعدم توفير المياه وندرة المياه قد يؤديان في بعض الأحيان إلى حروب مياه بين الدول.

عندما إنتقلت إلى فانكوفر في كندا، واصلت شراء قوارير المياه لغايات الشرب كما إعتدت في الأردن حيث يعتقد الكثيرون أن المياه التي توفرها سلطة المياه ليست صالحة للشرب دون غليٍ أو تنقية. ووجدت لاحقاً أن مياه الصنبور في فانكوفر هي صالحة للشرب دون الحاجة إلى أي معالجة، هذا مع العلم أن المياه تصل بالمجان ولا يوجد نظام قياس لإستهلاك المياه على الرغم من أن متوسط ​​إستهلاك الفرد من المياه هناك يبلغ حوالي 519 لترا / يوم. وقد وجدت هذا ترفاً، لا سيما حين مقارنة كمية إستهلاك المياه في فانكوفر مع الأردن حيث لا يزيد عن 147 لتر/ يوم، وحيث يَعِدّ السكان إستهلاكهم للمياه بالقطرات، خاصة في فصل الصيف حين تنقطع إمدادات المياه لفترات طويلة في بعض الأحيان.

إن القلق المتزايد من ندرة المياه في معظم المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية يحفّز على إتخاد تدابير مختلفة لجمع المياه وتخزينها. ويتم جمع المياه في كثير من الأحيان في السدود أو تُستخرج من أماكن تواجد المياه الجوفية. وتعمل معظم المجتمعات في هذه المناطق جاهدة للحفاظ على المياه، ونجد هناك أن حصاد مياه الأمطار وتخزين المياه هي من الوسائل الأساسية للبقاء. ومع ذلك تُعتبر السدود غير صديقة للبيئة إذ تُدمّر السدودُ النظمَ الإيكولوجية القائمة وتمنع جريان الأنهر. كذلك تتلوث المياه المخزنة في السدود بمادة الزئبق على المدى الطويل. أما المياه الجوفية، فإنها مورد لا يمكن الإعتماد عليه إعتماداً كاملاً إذ لا يمكن تحديد كمياتها بدقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن إستنزاف مصادر المياه الجوفية يرفع مستويات الملوحة في التربة مما يجعلها غير صالحة للزراعة.

إن تحلية مياه البحر هي مصدر آخر لتوفير مياه الشرب. وهناك حوالي 12,500 محطة تحلية للمياه في العالم تنتج يومياً حوالي 14 مليون متر مكعب من المياه العذبة، أو ما يعادل حوالي 1٪ من الإستهلاك العالمي. وتنتشر معظم هذه المحطات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في دول الخليج العربي، ثم في ولايتيْ كاليفورنيا وفلوريدا الأمريكييتين وأستراليا. وبالرغم من أن تقنيات تحلية المياه قد تطورت كثيراً في الفترة الأخيرة وأنخفضت كمية الطاقة التي تحتاجها لتبلغ حالياً ​​3-4 كيلووات في الساعة لإنتاج كل متر مكعب، إلا أنها لا تزال مكلفة ومصدراً لكميات كبيرة من الغازات الدفيئة. ولكن يمكن في حال إستخدام الطاقة المتجددة لتشغيل محطات تحلية المياه تخفيض إنبعاثات تلك الغازات الدفيئة إلى حد كبير.

تستهلك الزراعة 70٪ من الإستهلاك العالمي للمياه العذبة. كذلك تصَدَّر المياه بشكل غير مباشر من خلال المنتجات الزراعية. فعلى سبيل المثال، تستهلك التفاحة الواحدة 99 لتراً من الماء منذ زراعتها حتى بيعها. ويُصدّرالصين، الذي هو بلد يعاني من مشاكل ندرة المياه، التفاح إلى الولايات المتحدة حيث إستيراد التفاح أرخص من زراعته. وعلاوة على ذلك، فإن البلدان النامية غالباً ما تستثمر في مشاريع زراعية رخيصة العمالة بالرغم من شحة موارد المياه فيها، وبذلك تحرم سكانها من موارها المائية على حساب تلك المشاريع.

إن تحديات المياه أصبحت أكثر تعقيداً بالرغم من التطوّر المطرد في تقنيات المحافظة على المياه وإعادة تدويرها. ولكن تزايد الطلب على المياه إجمالاً يفوق الموارد المتوفرة منها. وتبقى التوعية والتعليم من الوسائل الأكثر فعالية لجعل الجميع يتفهمون القضايا البيئية الملحّة التي نواجهها. ولا توجد حلول سهلة لهذه القضايا، ولكن هناك حلول ذكية تحترم البيئة وتلبي إحتياجاتنا. وعلى الأقل، لا بد وأن يعرف الجميع من أين تأتي مياهنا وكيف تُصرف.

 

نورهان الكردي
30 نيسان 2013

 

يرحب مركز دراسات البيئة المبنية بملاحظاتكم عن مقالات مستدام، مع حفظ المركز حقه بنشر أو تعديل الملاحظات لضمان الوضوح والموضوعية والإختصار. يرجى إرسال تعليقاتكم إلى moustadam@csbe.org.

 

أعلى