أمين عاصمة جديد، تحديات قديمة

ملاحظة: إن هذا المقال نشر أيضاً على موقع حبر، ولكن مع بعض التعديلات.

 

إن عقل بلتاجي أصبح أمين عمّان الجديد. إن منصبه من أهم المناصب العامة في الأردن إذ أنه مسؤول عن إدارة المدينة العاصمة التي يسكن فيها أكثر من 40% من سكان الأردن والتي تحتوي على أكثر من 70% من نشاطه الإقتصادي. ولكنه منصب لا يُحْسَد عليه. فقد إرتفع عدد سكان المدينة كثيراً خلال العقود القليلة الماضية، وقابل ذلك تراجع في مستوى الخدمات التي تقدمها أمانة العاصمة وتراجع عام في مستوى الحياة الحضرية في المدينة. ويتضح ذلك في أمور عديدة تتضمن النظافة العامة والتنقل في المدينة وتوفر الفراغات العامة وتنظيم إستعمالات الأراضي.

إنني كنت قد إقترحت في مقال سابق في هذه السلسلة من المقالات أن الحل الأفضل للتحديات التي تواجهها عمّان ربما يكون تفكيك أمانة عمّان الكبرى والعودة إلى التقسيمات البلدية التي وجدت قبل تأسيس أمانة عمان الكبرى عام 1987 حين تكوّنت أمانة عمّان من منطقة وسط البلد والجبال المحيطة بها، وأحاط بعمّان مجموعة من البلديات المستقلة مثل وادي السير وصويلح والجبيهة والقويسمة. وقد يكون من الأفضل لعمّان العودة إلى تقسيم يتكون من مجموعة من البلديات المستقلة لكل منها رئيس بلدية ومجلس بلدي منتخبين. ويجب على هذه البلديات طبعاً أن تقوم بالتنسيق فيما بينها بخصوص الخدمات التي تتخطى حدود البلدية الواحدة - مثل النقل - من خلال مؤسسة أو أكثر تعمل على مستوى عمّان الكبرى. ولكن لا يبدو أن هذا الحل سينفذ في المستقبل القريب، ولذلك فإن إدارة عمّان الكبرى ستبقى في الوقت الحالي تحت سيطرة مؤسسة مركزية يديرها أمين يتم تعيينه ويتمتع بدرجة عالية من السلطة.

وحتى ينجح السيد بلتاجي في منصبه الجديد عليه أن يعالج عدداً من المهام، وعليه أن يحقق عدداً من التغييرات التي سيكون لها أثر إيجابي وواضح على الحياة اليومية لسكان المدينة. إن التحدي الأكثر إلحاحاً في الوقت الحالي هو موضوع النظافة العامة، الذي يعاني من تراجع مقلق خلال العقد الماضي. إن شوارع عمان أصبحت مليئة بالنفايات ليس فقط بسبب ما يلقى فيها ولكن أيضاً بسبب الحاويات العامة التي تمتلئ شوارع عمان بها والتي أصبحت مكاره صحية ومرئية تستعملها الأمانة لتكون نقاط تجميع النفايات. إن كميات النفايات في عمّان تستمر بالإزدياد مع إستمرار نمو السكان، ولكن قدرة الأمانة على إدارتها لم تواكب هذه الزيادة.

ومع أن أمانة عمّان تعترف بهذه المشكلة إلا أن موظفيها عادة يضعون اللوم على النقص في عمال النظافة والآليات. ولكن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. إن سكان الشارع الذي أقطن فيه يتذمرون من عامل النظافة الذي يمر لفترة قصيرة وقتما يشاء يجلس خلالها على الرصيف تحت شحرة يدخن السجائر. ولم نره حتى الآن يقوم بأي ببأي ببي عمل يُذكر. إن التحدّي في معالجة مشكلة النفايات لا يكمن في توفر الموارد وإنما في إدارتها.

وحتى يتم التعامل مع مشكلة النفايات في عمّان بنجاح، يجب أن يقوم الطاقم الحالي بعمله بدرجة أعلى من الكفاءة. ويجب وضع برنامج لإعادة التدوير إذ أنه من المستغرب أن تفتقر عمّان لمثل هذا البرنامج الذي سيحد من كمية النفايات التي يجب معالجتها وسينتج عنه دخل للأمانة. كذلك يجب على الأمانة أن تعود لنظام أخذ النفايات من كل بناء وليس من الحاويات العامة التي هي بمثابة مكبات للنفايات تمتلئ بها المدينة. ويجب طبعاً وضع أنظمة رادعة لمعالجة مشكلة إلقاء النفايات في الشوارع والأماكن العامة.

وقد تكون مشكلة النفايات هي المشكلة ذات الأولوية التي يواجهها الأمين، إلا أن هناك العديد من المشاكل الأخرى التي تحتاج إلى حلول ولكن ستتطلب وقتاً أكثر لمعالجتها. وأول هذه المشاكل هي مشكلة التنقل في المدينة. إن عمّان مدينة تسيطر فيها السيارات الخاصة على التنقل. وقد اصبحت القيادة والإصطفاف في عمّان في غاية الصعوبة. وهذا غير مستغرب إذ أن نسبة الزيادة السنوية للمركبات في عمّان تبلغ 10%، مما يعني أن عدد السيارات يتضاعف كل سبع سنوات. ولا يمكن لشوارع أي مدينة أن تستوعب هذه الزيادة في المركبات. وبالإضافة إلى ذلك، هناك مشكلة عدم التطبيق الجاد لقوانين السير والإصطفاف. ولذلك فإن عمّان أصبحت مدينة يمكن إجمالأ للشخص أن يقود سيارته فيها كما يشاء وأن يصطف في أي مكان يريد.

إن نظام النقل العام في عمّان ضعيف للغاية ويستعمله من لا يملك سيارة بدلاً من الذي لا يريد أن يستعمل سيارته. إن عمّان تتصف بكثافة سكانية عالية نسبياً، ما يعني أن العديد من الخدمات في المدينة من تجارية ومؤسسية وتعليمية كثيراً ما تكون قريبة من أماكن السكن وبذلك يمكن المشي إليها بدلاً من الإعتماد على السيارة أو وسائل النقل الأخرى. ولكن المشي في عمان في غاية الصعوبة، فالأرصفة لا يمكن إستخدامها، وبالإضافة إلى ذلك فإن عمّان تفتقر إلى معابر لقطع الطرق بأمان. وإذا أردت المشي في عمّان فإنك تضع حياتك تحت رحمة حركة السير. وإن كانت هناك نية لتحسين وضع التنقل في عمان فيجب تطبيق قوانين السير بفعالية، ويجب توفير الظروف التي تسمح لسكان المدينة بأن يمشوا في جميع أجزائها بأمان وراحة. ويجب تخفيف الإعتماد على السيارة الخاصة من خلال توفير وسائل نقل كفؤة (إبتداءً بتنفيذ مشروع خط الباص السريع)، وكذلك يجب النظر في وسائل النقل البديلة مثل الدراجات الهوائية.

إن المشاكل المرتبطة بالنظافة العامة والنقل العام هي فقط جزء من التحديات الكثيرة التي تواجه عمّان. إن المدينة أيضاً بحاجة إلى ساحات وحدائق عامة للراحة وللترفيه. إن توفّر هذه الفراغات العامة أمر في غاية الأهمية في الوقت الحالي إذ أن غالبية سكان المدينة أصبحوا يسكنون في شقق سكنية تفتقر إلى الحدائق. كذلك يجب وضع أنظمة واضحة وشفافة تتحكم بتنظيم إستخدامات الأراضي بحيث لا يحتاج سكان المدينة لأن يقلقوا بخصوص إمكانية ظهور مجمع للتسوق يجذب آلاف الزوار يومياً، أو قاعة إحتفالات تنطلق منها الحفلات الصاخبة حتى آخر الليل بقرب منازلهم.

كذلك فإن عمان أصبحت مدينة تفتقر إلى التفاعل الحضاري بين سكانها. إن هذا الوضع ليس غريباً في المناطق التي تتصف بالكثافات العالية، فكلما زاد عدد سكان منطقة محددة كلما قلت قدرتهم على تحمل الغير وإزدادت حالات التوتر الإجتماعي بينهم. ومثل هذه الأوضاع تتطلب تحديد أسس للتفاعل الحضاري بين السكان. وهذا يعني أنه عليهم الإلتزام بقوانين السير وعدم إلقاء النفايات حيثما يحلو لهم وعدم رفع الموسيقى لمستويات صاخبة كلما أرادوا الإحتفال بخطبة أو زواج أو نجاح في أمتحان. إن المؤسسات البلدية هي الجهة الرئيسية المسؤولة عن وضع هذه الأسس وتطبيقها. وقد كان على أمانة العاصمة أن تبدأ بذلك قبل فترة طويلة من الوقت.

ولا يمكن طبعاً تحقيق أي مما سبق دون إصلاح مؤسسة الأمانة نفسها. إنها مؤسسة توظف ما يزيد على 23000 موظف، وهو عدد أكبر بكثير من حاجتها وطاقتها. وبالإضافة إلى مشاكل الحمولة الزائدة من الموظفين، لا تخلو وسائل الإعلام من أخبار عن تجاوزات مالية فيها. وإن الأمانة للأسف أصبحت عبر السنوات مكاناً للتوظيف أكثر منها مؤسسة لخدمة سكان عمّان. وعلى الأمين الجديد أن يواجه هذا الوضع الصعب. لذلك يجب تخفيض عدد موظفي الأمانة من خلال برامج للتقاعد المبكر وعدم تجديد العقود بالرغم من أن المقاومة لأي تخفيض في عدد الموظفين ستكون شديدة جداً، ولكن لا يوجد خيار آخر. ويجب إعادة تدريب وتأهيل من يبقى من الموظفين ووضع برامج تحفيزية لهم. وكذلك يجب إدارة الأمانة بدرجة عالية من الشفافية. وهذا يتطلب تقوية العلاقات مع سكان المدينة من خلال عقد اللقائات المستمرة معهم لأخذ آرائهم، وتشجيع تأسيس مجالس الأحياء إذ أنها تساعد على تقوية التواصل بين السكان والبلديات.

ونأمل أن ينتج عن كل ذلك بناء ثقة السكان في الأمانة، إذ أن هذه الثقة منخفضة في الوقت الحالي. ويمكن ملاحظة ذلك ليس فقط من سماع أحاديث الناس، ولكن أيضاً من خلال الإحصائيات المتوفرة بهذ الخصوص مثل النسبة المنخفضة للمشاركة في الإنتخابات البلدية الأخيرة (10.29% فقط من الذين يحق لهم التصويت). كذلك فإن مركز دراسات اليبئة المبنية الذي أرتبط به نظم إستبياناً عاماً عن موضوع إدارة المدينة، وقد أبدى 71.1% من المشاركين فيه عدم رضاهم عن مستوى الخدمات التي تقدمها المؤسسات البلدية في الأردن.

إن التعامل مع التحديات الحضرية الكثيرة التي تواجه عمّان أمر صعب، وأعلم أنه يَسْهُل على مراقب للوضع مثلي أن يقترح حلولاً، ولكن يصعب على المسؤول العام وضع أي حلول حيز التنفيذ. ولكن لا يمكن الإستمرار في تحاشي مواجهة التحديات الحضرية التي تعاني منها عمان. لم تسنح لي الفرصة أبداً للتعامل مع السيد بلتاجي، ولا أستطيع أن أتكهن عن كيفية إدارته للمدينة. ولكن من المؤكد أن سكان عمّان سيراقبون أداءه بإهتمام شديد إذ أنهم يعانون من إحباط بخصوص وضع المدينة الحالي. ولذلك لن يستطيع ألا أن يفكر بالإرث الذي سيتركه من خلال خدمته لعمان. إنني أتمنى له كل التوفيق، فعمّان لن تستطيع تحمّل المزيد من التراجع الحضري. وإذا لم ينجح، فإن عمّان ستقترب أكثر فأكثر لتنضم إلى مدن العالم الثالث الكثيرة الفاشلة. ونرجو أن لا تصل الأمور إلى ذلك إذ أن عمان مدينة كانت ولا تزال تستطيع أن تكون مركزاً حضرياً متميزاً.

 

محمد الأسد
29 أيلول 2013

 

أعلى