عن المدن وتحدياتها – مراجعة فيلم

 

سنحت لي الفرصة قبل فترة وجيزة أن أرى فيلم “Urbanized” للمنتج الأمريكي غاري هَسْتوِت. إن موضوع الفيلم هو مدن العالم المعاصرة – الغنية والفقيرة، والكبيرة والصغيرة منها – حيث يعيش أكثر من نصف سكان العالم. ويفسر الفيلم بوضوح وبإتقان مكونات المدينة، ويتطرق إلى التحديات والفرص التي يواجهها أولئك الذين يعملون على جعل مدن العالم أماكن آمنة وصحية يسهل التنقل فيها وإجمالاً يحب سكانها التواجد فيها.

هذا فيلمٌ يجب على كل من لديه أي اهتمام بالمدينة أن يراه. إنه يبين لنا بشكل واضح ودقيق ومشوّق التطورات الخلاقة المختلفة التي تؤثر اليوم على المدن. ويجري الفيلم مقابلات مع عدد من الأشخاص المميزين من خلفيات مختلفة جميعهم ساهموا في جعل المدن أماكن أفضل للسكن.

من أول المدن التي يقدمها الفيلم مدينة بومباي الضخمة. تواجه هذه  المدينة الهندية تحديات صعبة للغاية في التعامل مع ملايين المهاجرين الذين ينتقلون إليها باستمرار من الريف ليسكنوا في عشوائياتها التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية المتعلقة بتوفير المياه وشبكات الصرف الصحي. وتظهر في الفيلم الناشطة الهندية شيلا باتل التي تفسر هذه التحديات بقوة ووضوح مشيرة إلى أن المسؤولين عن بومباي يعتبرون المنطقة التي تحتوي على مرحاض واحد لكل خمسين شخصاً (أي عشر عائلات) مخدومة بشكل لائق من ناحية الخدمات الصحية. وتضيف أنه بالرغم من أن هذا الرقم غير مقبول إطلاقاً، إلا أن الواقع أسوأ من ذلك بكثير إذ أن كل 600 شخصاً من سكان بومباي لا يخدمهم سوى مرحاض واحد. وللأسف فإن ثلث سكان المدن في العالم يعيشون في العشوائيات.

يتطرق الفيلم أيضاً إلى مدينة بوغوتا عاصمة كولومبيا في جنوب أمريكا. ويتضمن الفيلم مقابلة مع رئيس بلدية بوغوتا السابق والمميز إنريك بنالوزا. يقول بنالوزا أن العديد من مشاكل المدينة تعود إلى أن أصحاب السيارات يعتبرون توفّرالمواقف لسياراتهم حقاً أساسياً، ولذلك يؤمنون أنه لديهم الحق في قيادة سياراتهم واصطفافها أينما يحلو لهم. ويضيف بتهكّم أن دساتير عدد من البلدان قد تضمن لمواطنيها حقوقاً بخصوص التعليم والصحة والعمل، ولكن لا تشير أبدا إلى حق الحصول على مواقف لسياراتهم. وبعكس ذلك، يعتبر بنالوزا قدرة جميع  سكان المدينة على التنقل فيها حقاً أساسياً، بل ومثالاً على الممارسة الديمقراطية. وبناءً على ذلك، قامت بلدية بوغوتا تحت قيادة بنالوزا بتأسيس نظام الترانزميلنيو للباصات السريعة، وأيضاً قامت البلدية بإنشاء ممرات مخصصة للدراجات الهوائية والمشاة تخدم أجزاءً كبيرة من المدينة، الفقيرة منها والغنية.

ويشير بنالوزا إلى أن الباص الذي يتسع لمئة راكب يجب أن يكون له حق في استخدام الشارع يساوي مئة مرة حق السيارة التي لا يستخدمها سوى سائقها. إن نظام الترانزميلنيو يطبق هذا المبدأ إذ يعتمد على تخصيص مسارات في الطرق فقط للباصات، وأصبح هذا مثالاً يحتدى به في العديد من أنحاء العالم. كذلك فإن الممرات المخصصة للدراجات الهوائية في بوغوتا هي تعبير عن مبدأ آخر مشابه يؤمن به بنالوزا وهو أن من يمتلك دراجة هوائية ثمنها 30 دولار له نفس الحق في التنقل في المدينة مثل الشخص الذي يمتلك سيارة ثمنها 30000 دولار. ولن ينسى أي شخص رأى الفيلم المشهد الذي يصور بنالوزا وهو يقود دراجته الهوائية في أحد الممرات المخصصة لذلك في بوغوتا وبجانبه شارع سيارات غير معبّد ومغطى بالوحل. ويشير بنالوزا إلى أن أولوياته تركزت على بناء الممرات للمشاة والدراجات الهواية وليس شوارع السيارات، فهذه الشوارع يمكن أن تعبّد عندما تتوفر الموارد المادية اللازمة لها.

ويتطرق الفيلم لواحدة من أغنى وأنجح مدن العالم، وهي العاصمة الدنماركية كوبنهاجن. ويتضمن مقابلة مع خبير المدن العالمي يان غِل. إن لغِل فضل كبير خلال نصف القرن الماضي على تطور كوبنهاجن لتصبح المدينة كما هي اليوم (كذلك فإن غِل كان قد قام ببعض الأعمال في عمان، ووضع التصميم الأولي لتحويل شارع الوكالات  إلى شارع للمشاة). إن الاستماع لغِل وهو يتكلم عن المدن تجربة ممتعة. يقول غِل أنه يمكننا تقييم المدن بمراقبة كيفية توقف المشاة فيها أكثر من مراقبة حركتهم فيها. لذلك فإن المدينة الناجحة هي المدينة التي يجلس الناس ويستريحون في أماكنها العامة، ويستمعون لعازف موسيقى يعزف على الرصيف، أو يشاهدون ممثلاً أو مهرجاً بقوم بعرض في ساحات المدينة العامة. إن مثل هذه المدن هي مدن يحس سكانها بالراحة فيها ويودون التواجد في أماكنها العامة.

ويضيف غِل أن الإنسان يستطيع تمييز تفاصيل الوجوه والأشكال لمسافة تصل إلى مئة متر، وليس أكثر من ذلك. ولذلك فإن الفراغات والساحات الحضرية الأكثر نجاحاً هي تلك التي لا تتجاوز مقاييسها المئة في مئة متر. ويذكر غِل بافتخار أن كوبنهاجن هي مدينة يستعمل سكانها الدراجات الهوائية للتنقل أكثر من أي مدينة أخرى في العالم، إذ أن حوالي 40% من الرحلات التي يقوم بها سكان المدينة من وإلى أماكن عملهم تتم على الدراجات الهوائية.

هذه فقط عينة صغيرة من المدن التي يزورها الفيلم ويعرّفنا بها، إذ يروي الفيلم أيضاً قصصاً قيّمة عن مدن متنوعة تتضمن نيويورك وديترويت ونيو أورلينز وبرازيليا وريو دي جانيرو وسانتياغو وشتتغارت وكايب تاون وبكين. ويقدم الفيلم مسؤولي بلديات ومعماريين ومخططين وناشطين جميعهم قاموا بجهود قيمة لتحسين مدنهم، وحاربوا بجرءة وإبداع العديد من التحديات التي تواجه المدن بما فيها أنظمة البنية التحتية الضعيفة والفقر والفساد والجريمة ومشاريع مطوري العقارات الذين لا يأبهون للنتائج السلبية لهذه المشاريع على حياة المدينة الإجتماعية والإقتصادية.

لم يسعني وأنا أتابع الفيلم إلا أن إفكر بعلاقة ما يحدث في هذه المدن المتعددة بعمان. وللأسف يبدو أن عمان بعيدة هذه الأيام عن الأفكار والنشاطات والجهود المنتشرة حول العالم بهدف تحسين مستوى الحياة الحضرية. فبينما قد لا تعاني عمان من التحديات الجسيمة التي تعاني منها مدن العالم الضخمة مثل بومباي، إلا أن نوعية الحياة الحضرية في عمان في تراجع مستمر. إن خدمات إدارة النفايات تزداد سوءاّ، ومشاكل الاكتظاظ المروري تتفاقم سنة بعد سنة ويزداد معها الهجومية وانعدام الأخلاق في قيادة السيارات. والزحف العمراني غير المنظم يستمر ليدمر أراضي الأردن الزراعية محدودة المساحة. ولا تزال عمان تفتقر إلى نظام نقل عام يلبي حاجات سكانها الأساسية في التنقل. أما المشاة، فإنهم مهمشون كلياً في المدينة.

إن الجهود المحدودة التي بذلت في السنوات القليلة الماضية لتحسين مستوى الحياة الحضرية في عمان قد واجهت العديد من المشاكل. لذلك فإن عمل يان غِل في عمان لم ينتج عنه سوى شارع واحد للمشاة طوله فقط بضع مئات من الأمتار. والأسوأ من ذلك أنه منذ الإنتهاء من مشروع الشارع قبل عدة سنوات والعديد من التجار الذين يملكون محلات تحده يقاومونه بشراسة ويضغطون على أمانة عمان أن تعيده إلى شارع تمر وتصطف فيه السيارات. إن أولوياتهم تتركز على أن يستطيع زبائنهم أن يصطفوا بسياراتهم أمام المحلات. أما المشاة فلا مكان لهم أبداً في تفكير هؤلاء التجار. كذلك فإن مشروع خط الباصات السريعة في عمان كان تم تجميده قبل أكثر من سنة. ولا تزال المسارات القليلة التي بنيت خصيصاً لهذه الباصات غير مستعملة لتذكرنا بما لم يتم إنجازه. إن هذا المشروع كان سيرفع مستوى النقل العام في عمان وكان سيوفر لسكان المدينة نظام النقل العام الذي يحتاجونه ويستحقونه. إن القصة الكاملة وراء تجميد هذا المشروع لا تزال غير معروفة لنا بكامل تفاصيلها، وأشك أن يشعر سكان عمان بأي امتنان أو شكر لهؤلاء المسؤولين عن تجميده.

بسبب وضع عمان الحضري الحالي يجب على أكبر عدد ممكن من سكان المدينة أن يروا هذا الفيلم. إن الفيلم يعطي أفكاراً مستنيرة عما يمكن أن يتم وعما تم لجعل المدن أماكن أفضل للحياة. ويوضح الفيلم أنه يمكن حل المشاكل المختلفة التي تعاني منها المدن وأنه يمكن تحسين أي مدينة مهما كانت التحديات التي تواجهها.

 

محمد الأسد
7 تموز 2012

 

أعلى