ملاحظات عن أداء أمين عمّان

 

لقد مضى أكثر من ستة أشهر منذ أن أصبح عقل بلتاجي أمين عمّان. وعادة يستقبل الجمهور أي مسؤول جديد بدرجة من التقبّل وحتى التعاطف إلا إذا كان المسؤول يتبنى أفكاراً خلافية أو إذا كانت هناك شكوك بخصوص سمعته العامة. بالنسبة للسيد بلتاجي، فقد سمعت الكثيرين يذكرون  بالتقدير فترة إدارته لسلطة إقليم العقبة الإقتصادية من 2001 إلى 2004 حينما كان أول رئيس للسلطة. وقد كان بحكم وظيفته بمثابة رئيس بلدية للمدينة أيضاً، وقد سمعت الكثيرين يتكلمون عن تفانيه في خدمة المدينة. ولكن هذا التقبل للمسؤول الجديد وهذا التعاطف معه عادة لا يستمر طويلاً، ولذلك لا يمكن لأي مسؤول أن يعتمد عليه كثيراً.

إنني كنت قد كتبت مقالة بعد أن أصبح السيد بلتاجي أميناً للعاصمة ذكرت فيها أن أي شخص يعين في هذا المنصب سيكون في وضع لا يحسد عليه إذ أن المدينة قد تراجعت كثيراً على المستوى الحضري خلال العقود الماضية. ويتضح ذلك في العديد من الأمور مثل النظافة العامة والحركة والتنقل وتوفر الفراغات العامة وتنظيم إستخدامات الأراضي. وذكرت أن أي أمين عاصمة يهدف إلى إحداث تطورات إيجابية في عمّان عليه أن يتعامل مع هذه الأمور بجدية، وأضفت أنه عليه أيضاً أن يعمل على إصلاح مؤسسة أمانة عمّان إذ أن مستوى أدائها يحتاج إلى تطوير وأن ثقة الجمهور بأدائها منخفضة في هذه المرحلة.

من المبكر جداً أن يتوقع سكان عمّان أي تحسينات جذرية في وضع المدينة إذ أن تحقيق هذه التحسينات يحتاج إلى الكثير من الوقت، وبالتأكيد يحتاج أكثر من المئة يوم التي وعد بها السيد بلتاجي حين تسلمه المنصب. وفي هذا السياق أتذكر ملاحظة أثارها رئيس بلدية مدينة كوريتيبا البرازيلية السابق جايمي ليرنر. إن ليرنر واحد من مجموعة من رؤساء البلديات في أمريكا اللاتينية الذين استطاعوا أن يُحدثوا تغييرات إيجابية مهمة في مدنهم. ومع أن الإعلام قد يكون قد بالغ في أهمية إنجازاتهم، إلا أنه أيضاً لا يمكن التقليل من تأثيرها. وقد قال ليرنر أنه يمكن تحسين أوضاع أي مدينة بشكل كبير خلال ثلاث سنوات مهما كان حجمها ومهما كانت مشاكلها المالية ومهما كانت التحديات التي تواجهها. إن إنطباعي حين سماع هذه الملاحظات كان أن ثلاث سنوات فترة قصيرة جداً، ولكن أعتقد أنه علينا أن نأخذ ما يقوله شخص بِوَزْن ليرنر بجدية. لذلك قد تكون هذه الفترة هي التي يجب أن تعطى لأي أمين للعاصمة لإحداث تحسينات جذرية في وضع عمّان الحضري.

أما حالياً، فلا يزال وضع عمّان كما هو منذ أن استلم السيد بلتاجي منصبه - مع تحسينات وأيضاً تراجعات هامشية هنا وهناك. وإن نمو عمّان المستمر يعني أن المشاكل التي تعاني منها ستزداد وستشْدد مع مرور الوقت.

إننا قد نتفق مع التصريحات التي أعطاها السيد بلتاجي حتى الآن ولكنها لا تمثل أي رؤية شاملة للمدينة، وإنما تتعامل مع أمور متقطعة وجزئية قد تكون مهمة، ولكنها لا تتطرق إلى التحديات التي تواجه عمّان من خلال منظور إستراتيجي وشامل.

إن أمين العاصمة قد أعطى تصريحات مشجعة عن أهمية النقل العام وعن ضرورة السير قدماً بمشروع الباص السريع الذي كان للأسف قد أُوقف قبل عدة سنوات. ولكنه لم يعط أي تفاصيل عن خطة تفعيل المشروع وعن الجدول الزمني لذلك. كذلك فإن التصريحات التي أعطاها السيد بلتاجي والتي أعطتها أمانة عمان قد ركزت حتى الآن على مواضيع تتضمن إزالة البسطات التي تأخذ أجزاء كبيرة من الأرصفة في عمّان وعدم منح رخص بناء للمرافق على أسطح أبنية الشقق السكنية وعدم تجديد رخص محلات الأرجيلة والمحلات التي تبيع القهوة للسيارات المارة. إن الأرصفة مُلك للجميع ولا يجوز لأصحاب المحلات التجارية أن يعتدوا عليها، وعلى المجتمع أن يبذل كل جهد لوقف التدخين، وإن بيع القهوة للسيارات المارة تتسبب بالمخاطر المرورية. ولكن التحديات الحضرية التي تواجه مدينة عمّان تتجاوز هذه الأمور، ويجب التعامل مع هذه التحديات من خلال إستراتيجية شاملة وليس بصفتها حالات منفردة ومعزولة. وعلى أي حال، لا يزال أصحاب المحلات يعتدون على الأرصفة، ولا تزال المحلات التي تقدم الأرجيلة وتلك التي تبيع القهوة للسيارات المارة تقوم بذلك.

سيكون مؤسفاً لو أن السيد بلتاجي كرّس خبرته الإدارية الثرية لمحاولة التعامل مع مشاكل ثانوية هنا وهناك. إن هذا سينهك طاقاته وبذلك لن يتمكن من إحداث أي تغيير أيجابي في وضع عمّان الحضري. إن لسكان عمّان كل الحق أن يتوقعوا منه أكثر من تصريحات قد يستطيع تحقيقها أو قد لا يستطيع تحقيقها. وإن لسكان عمّان كل الحق أن يتوقعوا منه ومن فريقه في أمانة العاصمة تقديم خطة عمل شاملة لتحقيق تغيير إيجابي في عمّان من خلال التشاور مع شرائح واسعة من المجتمع. ويجب أن تتطرق هذه الخطة الشاملة إلى أمور تتضمن إدارة النفايات والإزدحام المروري والتنقل وحركة المشاة والفراغات العامة وتنظيم الإستخدامات والإصلاح المؤسسي لأمانة العاصمة. وكذلك يجب أن يقدم جدولاً زمنياً لتحقيق هذه الخطة.

إن السيد بلتاجي لا يزال يستطيع أن يكون عامل تغيير إيجابي لعمّان. وبالرغم من أن الستة أشهر الماضية لم تكن فترة إنجازات، فإننا نأمل أنها كانت فترة دراسة لخصوصيات عمّان وللتحديات التي تواجه إدارتها وأيضاً للفرص التي يمكن التركيز عليها. إننا نأمل أن يقوم السيد بلتاجي بتركيز طاقاته في الفترة القادمة على تطوير خطة شاملة لتحسين وضع المدينة وعلى تنفيذ هذه الخطة. إنني واحد من الكثيرين الذين يتمنون له كل النجاح، ولكن الوقت ليس في صالحه.

 

محمد الأسد
27 نيسان 2014