إدارة عمان

 

ستشهد عمان في المستقبل القريب تعيين أمين جديد لها، وفي مثل هذا الوقت، يبدأ سكان المدينة بالنظر إلى الماضي لتقييم أداء أمين عمان السابق، كما يبدأون أيضاً بالنظر إلى المستقبل للتكهن بالسياسات والمنهجيات الجديدة التي سيتبعها من سيشغل هذا المنصب المهم.

لقد أتيحت لي الفرصة للتعامل مع عمر المعاني، أمين عمان السابق، قبل بضع سنوات عندما كنت عضواً في لجنة تابعة لأمانة عمان الكبرى. لقد وجدته إنساناً نشيطاً ومتفانياً ومن الذين يفكرون بطريقة إستراتيجية بخصوص تطور عمان على المدى الطويل. وخلال فترة توليه المنصب البالغة خمس سنوات، تمكن من تنفيذ عدد من المنجزات الجديرة بالاهتمام، فقد وضع أحكاماً تنظم الأبنية العالية التي لم تكن منضبطة من قبل، وقد أزال عدداً هائلاً من اليافطات التجارية التي شوهت واجهات المباني. كما أنه حسَن من نظام تسمية الشوارع وترقيم المباني، وعمل على ضمان تنفيذ شارع الوكالات الذي هو أول شارع مخصص بالكامل للمشاة في عمان.

كما بدأ المعاني بمبادرتين ستظهر نتائجهما في المستقبل. المبادرة الأولى هي نظام الباص السريع (قيد الإنشاء حالياً). والثانية هي مخطط عمان الشمولي. وإذا تم الانتهاء من المبادرة الأولى ونجحت، وإذا تم تطبيق المخطط الشمولي وثبت بأنه قد طوِر بإتقان، فحينها يستوجب شكر عمر المعاني على هاتين المبادرتين.
وعلى الرغم من أهمية هذه المنجزات فإنها للأسف تتضاءل أمام التحديات الحضرية التي تواجه عمان. وبغض النظر عن مدى فعالية أي أمين لعمان وحيويته (وعمر المعاني يتصف بهاتين الصفتين)، فان المدينة وصلت إلى مرحلة في عقد التسعينيات لم تعد بعدها مدينة يمكن السيطرة عليها، فهي ببساطة قد نمت كثيراً وسريعاً.

على مدى ما يقارب العقدين الماضيين، بدأت عمان تبرز بصفتها مركزاً حيوياً ومتنوعاً اقتصادياً وثقافياً، وأخذت توفر لسكانها خيرات متعددة ووسائل الراحة والترفيه المختلفة. ولكن، بنفس الوقت، شهدت الإدارة الحضرية لعمان تدهوراً كبيراً. فالاختناقات المرورية ازدادت سوءاً من سنة إلى سنة حتى أصبحت لا تطاق . كما وأن مستوى أداء وسائل النقل العام ضعيف للغاية حتى أصبحت لا تستخدمها إلا أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف أي خيارات النقل الأخرى.

أما جمع النفايات ونظافة الشوارع في عمان فهما يعانيان من حالة تراجع سنة بعد سنة. وإن عدم وجود نظام تدوير النفايات على المستوى البلدي أمر مؤسف للغاية. ولا تزال المناطق العامة الخضراء والمتنزهات قليلة جداً ومتباعدة، ولا سيما على مستوى الأحياء. وعلاوة على ذلك، لا تزال عمان غارقة في التوسع غير المنضبط والفوضوي الذي يلتهم الأراضي الزراعية القيمة والنادرة، ويجعل المدينة متوسعة لدرجة تحول دون سهولة الحركة فيها. وهنالك بالتأكيد مشكلة المشاة التي تسبب سمعة سيئة لعمان. فقد أصبح الانتقال مشياً على الأقدام في عمان عملية مزعجة وفي غاية الصعوبة بسبب القيادة المتهورة للسيارات والأرصفة الرديئة، إضافةً إلى نسب التلوث العالية التي تسببه عوادم السيارات وعدم وجود معابر للمشاة.

ولإيقاف هذا التدهور المستمر في مستوى الحياة الحضرية في عمان، يجب العمل على جبهتين. الجبهة الأولى هي توجيه التوزيع السكاني نحو مدن أردنية أخرى، فإنه من المقلق أن ٤٠٪ من سكان الأردن يعيشون في عمان. والجبهة الثانية تتضمن جهداً جدياً لإعادة الهيكلة الإدارية لعمان. ولتحقيق ذلك، يجب إعادة النظر بتجربة دمج البلديات.

لقد تم ابتداء من عام 1986 ضم البلديات الصغيرة المحيطة بعمان تحت إدارة أمانة عمان الكبرى التي تشكلت في ذلك الوقت. وبذلك جرى تحويل عمان إلى مدينة كبيرة واحدة ممتدة تدار على نحو مركزي. وكان المنطق وراء ضم البلديات هو الحاجة إلى رفع جودة الخدمات البلدية المتوفرة في المناطق المحيطة بعمان التي أصبحت بحكم الواقع ضواحٍ للمدينة.

ونتيجة لعملية الضم هذه، تبلغ مساحة أمانة عمان الكبرى الآن حوالي 1,700 كيلومتر مربع (وبذلك تفوق مساحة مملكة البحرين بثلاثة أضعاف)، ويبلغ عدد سكانها حوالي ثلاثة ملايين شخص، ويديرها جهاز بلدي مركزي يعمل فيه أكثر من23,000 موظف. ويشكل هذا الوضع هيكلية عمل غير فعالة وغير متفاعلة مع سكان المدينة، كما أنها تُبعد ساكن المدينة عن صنع القرار. ويصبح من الصعب جداً – إن لم يكن من المستحيل – في ظل هذه الظروف تحقيق تواصل مباشر ومفتوح ومستمر بين إدارة المدينة وسكانها.

هناك حاجة ملحة لتطبيق اللامركزية في إدارة المناطق التي تكوِن مدينة عمان. ولذلك ينبغي تخفيض حجم أمانة عمان بحيث تشمل مركز عمان التاريخي (وسط البلد والجبال المحيطة به) وتستوعب ما لا يزيد على نصف المليون نسمة. ويتم في هذه الحالة إعادة هيكلة المناطق المتبقية لتصبح بلديات مستقلة لا يزيد عدد سكان أي منها على 150,000 نسمة، ويكون لكل منها رئيس بلدية ومجلس بلدي منتخبين ​​وقاعدة ضريبية مستقلة.

وإذا قمنا بعمل حسابات تقريبية، نجد أن كل عضو من أعضاء مجلس أمانة عمان الحالي يمثل حوالي 40,000 شخص. وبما أن نصف أعضاء المجلس منتخبين والنصف الآخر معينين، فان كل عضو منتخب يمثل 80,000 شخص، وهو عدد هائل من السكان. ولا يسمح هذا الواقع بتطوير أي علاقة بناءة أو متقاربة بين عضو المجلس ودائرته. ولكن إذا تم إنشاء هذه البلديات الجديدة الصغيرة، فسيتمكن كل عضو في المجلس البلدي من تمثيل عدد أصغر بكثير من السكان، مما يتيح تطوير علاقة أوثق وأقرب بين عضو المجلس ودائرته الانتخابية. كما سيضمن ذلك استجابة أعلى من أعضاء المجلس لاحتياجات دوائرهم الانتخابية.
وتقوم هذه البلديات الجديدة بمهام مختلفة تشمل تنظيم الأراضي، وإصدار رخص البناء، وتشييد الشوارع والأرصفة وصيانتها، وإدارة النفايات الصلبة، فضلاً عن إنشاء المساحات الخضراء العامة والعناية بها.

وفي نفس الوقت ستكون هناك حاجة في ظل هذه الآلية اللامركزية إلى مؤسسة بلدية تعمل على مستوى عمان الكبرى تدير أموراً مثل تنظيم النقل العام وبناء الطرق الشريانية الرئيسية وصيانتها. ويمكن أيضاً أن تقوم هذه المؤسسة بأعمال هيئة تنسق بين البلديات التي تشكل عمان الكبرى، وقد تضع معايير إدارة حضرية عامة تلتزم بها جميع البلديات.

ولن يكون تنفيذ هذه التغييرات وتطوير مثل هذا النظام البلدي اللامركزي المكون من شقين أمراً سهلاً إذ أنه سيواجه تحديات متعددة حين البدء بالعمل. كذلك سيتطلب هذا النظام من موظفي البلديات تعديل طريقة قيامهم بعملهم وتطوير علاقة مباشرة وبنَاءة مع سكان بلديتهم الذين سينتخبون رئيس البلدية وأعضاء مجلسها. ولكن سيمكََن هذا النظام الجديد سكان عمان من المشاركة بفاعلية أكبر في إدارة بلدياتهم. وعلينا أن نقبل في هذا السياق أن بعض البلديات الجديدة ستأخذ دوراً ريادياً في الإدارة الحضرية بينما سيتعثر البعض الآخر في أداءها قبل أن تتطور لتصبح بلديات تدار بكفاءة. وعلى أي حال، ستظهر بين البلديات هذه حالة من المنافسة الصحية و سيصبُ هذا في مصلحة الجميع.

وبغض النظر عمن سيكون أمين عمان القادم، ومهما كان هذا الشخص نشيطاً ومتفانياً، فانه لن يكون قادراً على التصدي بفعالية للمشاكل الحضرية التي تواجه عمان، إذ ستستنفذ إدارة الأزمات جميع طاقاته. إن ما تحتاجه عمان هو إعادة هيكلة إدارية شاملة بحيث تتحول إلى بلديات مستقلة أصغر حجماً. ومن المستحسن أن تبدأ عملية إعادة الهيكلة هذه بأسرع وقت إذ أن عنصر الوقت ليس في صالحنا.

 

محمد الأسد
8 نيسان 2011

 

أعلى