بيئتنا المبنية: نموذج سنغافورة

 

قمت هذا الصيف بزيارة سنغافورة لحضور مؤتمر عن التخطيط الحضري. كان المؤتمر نتيجة جهد مشترك بين مؤسسة التطوير الحضري في سنغافورة وجامعة سنغافورة الوطنية وكلية التصميم في جامعة هارفارد وجائزة الآغا خان للعمارة. وقد سمح لي هذا المؤتمر أن أتعرف على عدد من المخططين في سنغافورة وأن أتعلم عن عدد من المشاريع الحضرية التي تنفذ هناك.

سنغافورة دولة تتكون من مدينة واحدة، وبالرغم من صغرها إلا أنها تطورت منذ أن نالت اسقلالها سنة 1965 لتصبح نموذجاً مثيراً للإعجاب. عدد سكانها يبلغ حوالي خمسة ملايين شخصاً فقط، ومساحتها تبلغ حوالي 700 كيلومتر مربع، أي أقل من 40% من مساحة عمّان.  ولكن رتبها العالمية متميزة في الكثير من المجالات. دخل الفرد فيها من حيث القوة الشرائية هو من الأعلى في العالم، وهي الدولة العاشرة عالمياً من حيث امتلاك الاحتياطات النقدية، وهي الرابعة عشر بين الدول المصدرة، والخامسة عشر بين الدول المستوردة. هذا بينما حركة البضائع في مينائها هي من الأعلى في العالم، ومطارها يعتبر من أفضل المطارات على الإطلاق. وسنغافورة مركز صناعي مهم في مجالات تتضمن الإلكترونيات وتكرير النفط والكيماويات والهندسة الصناعية والمجالات البيو- طبية. وهي أيضاً مركز سياحي مهم، وأنظمة التعليم والرعاية الصحية فيها ممتازة. وعلينا ألا ننسى أن الفساد فيها يكاد يكون معدوماً.

ولكنني هنا أود أن أركز على تجارب سنغافورة ومنجزاتها في مجالات التنظيم الحضري. فهي تتميز في هذه المجالات أيضاً. وبما أن سغافورة  تتصف بكثافة سكانية عالية، فهناك تركيز على استعمال أراضيها المحدودة المساحة ومواردها بكفاءة عالية. وهذا يتضح في طريقة معالجتها لأمور تتضمن الإسكان وكثافة البناء والموارد المائية والنفايات والنقل.

إن موضوع الإسكان يحظى باهتمام خاص في سنغافوة، ولذلك نجد سياسات وممارسات تهدف إلى زيادة نسبة تملّك المنازل فيها. وقطاع الإسكان في سنغافورة يقع تحت مسؤولية مجلس تطوير الإسكان الذي يعمل على توفير المساكن باسعار معقولة. وتبلغ نسبة امتلاك السكن في سنغافورة 95%، ويعيش 82% من السكان في وحدات بناها مجلس تطوير الإسكان.

ويعيش غالبية سكان سنغافورة في شقق تقع في أبنية مرتفعة، أي في ظروف تتصف بكثافة سكانية عالية. ولذلك نجد اهتماماً بتوفير مساحات كبيرة من المناطق الخضراء. وبسبب ذلك تبلغ مساحات المحميات الطبيعية والمتنزهات والحدائق العامة 47% من مساحة البلد. وبالإضافة إلى ذلك، هناك مشروع تم البدء بالعمل به يهدف إلى ربط متنزهات سنغافورة من خلال شبكة ممرات طولها 300 كيلومتر يمكن التنقل فيها مشياً أو بالدراجات الهوائية.

ومع أن سنغافورة تقع في منطقة استوائية، إلا إنها كانت تفتقر وقت استقلالها إلى بنية تحتية لتجميع المياه. ولذلك قامت السلطات منذ ذلك الحين بمشاريع عديدة تهدف إلى تجميع مياه الأمطار وتكرير المياه العادمة. وتحتوي سنغافورة اليوم على 7000 كيلومتراً من القنوات تجري فيها مياه الأمطار وسبعة عشر بحيرة تجميع للمياه. وهناك فصل كامل بين خطوط تصريف مياه الأمطار وخطوط المياه العادمة مما يسمح بإدارة الموارد المائية بدرجة عالية من الكفاءة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ثلثي مساحة سنغافورة تستغل للحصاد المائي.

وبسبب صغر مساحة سنغافورة، لا توجد فيها مساحات كافية يمكن تخصيصها لمكبات النفايات. ولذلك تم تطوير استراتيجيات لإدارة النفايات الصلبة تمكنت سنغافورة من خلالها من أن تقوم بإعادة تدوير 60% من نفاياتها. ويتم حرق غالبية ما يتبقى من النفايات في محارق خاصة لإنتاج الطاقة، ولا يوضع إلا 3% من نفايات سنغافورة في المكبات. ومع كل ذلك فهناك جهود مستمرة لتحقيق نسب أعلى من إعادة تدوير النفايات، وأيضاً للحد من كمية النفايات الصلبة التي يخلفها السكان وحتى التقليل منها.

وتتميز سنغافورة بنظام نقل عام كفؤ يعتمد على الباصات والقطارات. ولا يحتاج الفرد عادة إلى المشي أكثر من عشر دقائق للوصول إلى موقف للنقل العام. وهناك جهود جدية لثني السكان عن امتلاك السيارات. ولذلك فإن أسعارها عالية جداً بسبب الجمارك المفروضة عليها وبسبب ضرورة اقتناء شهادة امتلاك مدتها عشر سنوات لكل مالك سيارة. ويبلغ سعر هذه الشهادة ما يقارب سعر سيارة فارهة. كذلك فإن سنغافورة هي أول مدينة في العالم قامت بوضع ما يعرف بـ “رسوم الازدحام،” في سنة 1975. وقد تطوّر هذا النظام للرسوم ليصبح نظاماً إلكترونياً بحيث تقتطع الرسوم مباشرة من المركبات التي تسير في شوارع معينة. وعلى مالك كل سيارة أن يثبّت على سيارته جهازاً إلكترونياً خاصاً يحتوي على بطاقة دفع. ويقتطع الجهاز مبلغاً من رصيد البطاقة لحظة مرور المركبة تحت محطة الدفع الإلكترونية. ويمكن لهذه الأنظمة الإلكترونية أن تعدّل تسعيرتها حسب عوامل متعددة تتضمن وضع الازدحام المروري والساعة ونوع المركبة. وقد نجح هذا النظام في الحد من مستويات الازدحام في سنغافورة من خلال تشجيع السكان على استعمال وسائل النقل العام بدلاً من المركبات الخاصة.

لا يمكن لأي زائر لسنغافورة إلا أن يعجب بمستويات النظافة والتنظيم ووفرة المساحات الخضراء فيها. وتتبع سنغافورة أسس التخطيط المبنية على مباديء الحداثة. وتعتمد هذه الأسس على تطوير مناطق واسعة من الساحات الخضراء التي تحتوي على أبنية عالية. وتبتعد سنغافورة عن نموذج تنظيم المدن التقليدي الذي يعتمد على شبكة الشوارع في تحديد تركيبة المدينة، والذي تتبع غالبية النشاطات الحضرية فيه تنظيم شوارع المدينة. ومع أن سنغافورة تقدم مستوى حياة مرتفع جداً لسكانها، إلا أن هذه الاعتماد على أنظمة التخطيط الحضري الحديثة له عدة نقاط ضعف. وقد أشار المخطط الدنماركي المعروف يان غٍهل أنه بالرغم من إعجابه بإنجازات سنغافورة الكثيرة على المستوى الحضري، إلا أنه بعتقد أنها مدينة “لا تزال تبحث عن روح.” ويضيف أنها لا تحتوي على أماكن حضرية تربط أجزاء المدينة ببعضها البعض، وبذلك ينقصها التواصل بين أجزائها. ويمكنني أن أتفهّم هذه الملاحظات، فقد تنقّلت على قدمَيْ في العديد من أجزاء المدينة، ومع أنني استمتعت بالمشي فيها، إلا أنني وجدت صعوبة في المشي من منطقة إلى أخرى إذ أن ذلك يتطلب المشي في أجزاء تتصف بحركة سيارت كثيفة. ولكن هذه المشاكل لا تقلّل من حجم المنجزات الحضرية في سنغافورة ويمكن معالجتها بفعالية من خلال تطوير شبكة ممرات للمشاة بين مناطق المدينة المختلفة.

هناك الكثيرون الذين وجدوا في سنغافورة نموذجاً يمكن للأردن أن يحتذي به. إنني أشك بذلك إذ أن الأردن وسنغافورة تختلفان اختلافاً جذرياً في نواحي متعددة تتضمن الجغرافيا والمساحة الإجمالية والعادات الاجتماعية والنسيج السكاني. ومع ذلك فهناك الكثير من التجارب التي تقدمها سنغافورة للعالم عن أمور حضرية تتضمن التعامل الفعّال مع تحديات تنظيم الإسكان والمساحات العامة الخضراء والموارد المائية والفضلات الصلبة والنقل العام. وقد لا تكون سنغافورة النموذج الذي يمكن أن تحتذي به عمّان في كل الأمور، إلا أنه يمكن لعمّان أن تتعلم الكثير من سنغافورة عن أسس إدارة المدينة.

 

محمد الأسد
25 تشرين الثاني 2012

 

أعلى