رحلات غير ضرورية في المدينة


كنت قد كتبت قبل حوالي الأربع سنوات مقالة في سلسلة المقالات هذه عنوانها "رحلات كثيرة وقصيرة" ناقشت فيها العلاقة الواضحة والمباشرة بين الإكتظاظ المروري والرحلات غير الضرورية التي نقوم بها بسياراتنا. وقد ذكرتني عملية معادلة شهادة إبنتي المدرسية التي قمت بها في الماضي القريب بأهمية هذه العلاقة.

أعلمتنا مدرسة إبنتي بأنه علينا أن نبدأ العملية في قسم لوزارة التربية والتعليم في منطقة جبل الحسين في عمّان حيث يتم تصديق الشهادات المدرسية. وقد استغرقت الرحلة من منزلي إلى جبل الحسين ما يقارب نصف ساعة. كانت عملية التصديق هناك سلسة، واستغرقت ما يقارب 45 دقيقة. وذهبت بعد ذلك إلى قسم آخر للوزارة في منطقة جبل اللويبدة، حيث تتم عملية إنهاء المعاملة. وقد استغرقت الرحلة إلى جبل اللويبدة حوالي نصف ساعة أيضاً، ولكنني علمت بعد وصولي هناك أنني لم أحضر جميع الوثائق المطلوبة بالرغم من أنني أحضرت كل الوثائق التي حددتها مدرسة إبنتي. ولذلك عدت إلى المنزل، وقد استغرقت رحلة العودة حوالي نصف ساعة.

وعدت إلى جبل اللويبدة في اليوم التالي بعد التأكد من إحضار جميع الوثائق المطلوبة، واستغرقت الرحلة حوالي نصف ساعة. وقضيت ما يقارب ساعة ونصف الساعة في قسم وزارة التربية هناك حتى أنهيت المعاملة وحصلت على شهادة المعادلة. ومن ثم عدت إلى المنزل، واستغرقت رحلة العودة حوالي نصف ساعة.

وجدت خلال القيام بعملية التصديق والمعادلة هذه أن موظفي الوزارة يتعاملون مع المراجعين بلطف وإحترام. ولكن تعليمات عملية التصديق والمعادلة لم تكن واضحة كل الوضوح. كذلك فإنني أتوقع أنني ذهبت من مكتب إلى الآخر في البنايتين أكثر من 15 مرة لتوقيع أوراق أو ختمها أو لدفع رسوم، ولا أدري سبب هذا التنقل بين المكاتب، ومن الواضح أنه يمكن إختزال عملية التصديق والمعادلة بشكل كبير بحيث يمكن إنهاء العملية كلها بوقت وبجهد أقل مما هو الحال الآن.

ولكن ما أود أن أناقشه ببعض التفصيل هنا ليس الوقت والجهد الضائع الذي يبذله المُراجع في إتمام هذه المعاملات، ولكن الوقت الذي قضيته في قيادة سيارتي بين منزلي ومكاتب الوزارة. فلو كنت قد تمكنت من إتمام المعاملة خلال اليوم الأول لكنت قد قضيت حوالي ساعة ونصف الساعة في قيادة السيارة بين منزلي ومكاتب الوزارة. ولكن بما أنني لم أستطع إتمام المعاملة خلال اليوم الأول (وأتوقع أن هذا هو الحال مع الكثيرين غيري) فقد قضيت ساعة إضافية أقود سيارتي خلال اليوم التالي. لذلك فإن عملية المعادلة هذه تعني إضافة سيارة أخرى إلى شوارع عمان المكتظة أصلاً لمدة ساعتين ونصف الساعة. إن هذا وقت كان يمكنني أن أقضيه في إتمام مهام أخرى أو أن أحصل فيه على بعض الراحة، وكذلك فإنني قضيت ساعتين ونصف الساعة في قيادة سيارة في شوارع عمان أستهلك الوقود المستورد الذي ندفع ثمنه غالياً وأستهلك السيارة نفسها وأساهم في رفع مستويات الإكتظاظ والتلوث الهوائي المرتفعة أصلاً في شوارع عمّان.

إن عدد الطلاب في صف إبنتي يزيد عن التسعين، وقد تمّت عملية المعادلة والتصديق لكل منهم. وهذا يعني أن هناك سيارة قضت ما معدله ما بين ساعة ونصف الساعة وساعتين ونصف الساعة لمتابعة معادلة كل منهم. وإذا أخذنا بالإعتبار آلاف المعاملات الحكومية التي يقوم بها سكان عمان يومياً، فهناك آلاف السيارات التي تقضي آلاف الساعات تجوب شوارع عمان لمتابعة هذه المعاملات. 

ولو كانت مدرسة إبنتي ووزارة التعليم قد اتفقتا على أن تُحْضِر المدرسة جميع وثائق الطلاب مرة واحدة (إن المدرسة تُصدر جميع الوثائق أصلاً)، لأمكن إقتصار مئات الرحلات اللازمة لمعادلة طلاب المدرسة إلى رحلة واحدة فقط تتضمن التنقل بين موقع المدرسة وبنايتيْ وزارة التربية والتعليم في جبليْ الحسين واللويبدة، وكان بالإمكان إقتصار الأكثر من 225 ساعة التي قضيت في قيادة السيارات لمتابعة معاملات المعادلة لتسعين طالب إلى ساعة ونصف الساعة فقط!

ولو يتم تبسيط المعاملات الحكومية التي على سكان عمّان القيام بها بإستمرار بحيث يمكنهم زيارة عدد أقل من الأبنية الحكومية أو إتمام عدد أكبر من المعاملات من خلال الإنترنت، فيمكن توفير عشرات الآلاف من الساعات على السكان يومياً، وسيخفّض ذلك عدد السيارات التي تجوب شوارع عمّان، وهذا سيخفف من الإزدحام المروري الخانق الذي تعاني منه المدينة، بالإضافة إلى التخفيف من إستهالك الوقود ومن التلوث الهوائي وإستهلاك المركبات. 

هناك حلول عديدة يمكن اعتمادها للتخفيف من الإزدحام المروري في عمّان تتضمن تحسين القدرة على المشي في المدينة وتطوير وسائل النقل العام فيها. وكذلك تتضمن هذه الحلول تخفيض عدد الرحلات التي على سكان المدينة أن يقوموا بها يومياً في المدينة. إن البنك الذي أتعامل معه كان قد قدّم قبل عدة أشهر خدمة تسمح لزبائنه بدفع فواتير الكهرباء والماء والتلفون من خلال الإنترنت بدلاً من أن يضطروا إلى الذهاب إلى صناديق الدفع، وهذا قد وفر عليّ عدداً من الرحلات كنت أقوم بها كل شهر لأدفع هذه الفواتير. إن كل رحلة لا نضطر أن نقوم بها في المدينة تعني إزالة سيارة من شوارعها تتسبب بالإزدحام المروري والتلوث الهوائي. إن الإحصاءات المحددة بخصوص الأسباب التي تجعل سكان عمّان يستعملون سياراتهم غير متوفرة لديّ، ويمكننا الإستفادة بشكل كبير من دراسة عن هذا الموضوع. ومن المؤكد أن سكان المدينة يقومون بعشرات الآلاف من الرحلات يومياً التي يمكن تحاشيها من خلال إعادة النظر في كيفية قيامنا بنشاطاتنا اليومية. 

إن النشاطات المختلفة التي نقوم بها مرتبطة ببعضها البعض بشكل كبير. وإن تم تحسين كفاءة متابعة المعاملات الحكومية التي يقوم بها سكان المدينة من خلال تبسيطها وتمكين السكان من إتمام عدد أكبر من المعاملات من خلال الإنترنت، فإن ذلك سيوفر على الجميع الكثير من الوقت وسيخفّض أيضاً من المصاريف الحكومية وسيدعم الإنتاجية الإقتصادية وكذلك سيجعل المواطنون يشعرون بدرجة أعلى من الرضا بخصوص كيفية إدارة حكومتهم. ولكن سينتج أيضاً عن مثل هذا الرفع في كفاءة متابعة المعاملات الحكومية نتائج إيجابية أخرى غير متوقعة ومهمة كما في تخفيض حدة الإزدحامات المرورية والتلوي الهوائي.

 

محمد الأسد
10 كانون الأول 2014